Yahoo!

بسم الله الرحمان الرحيم

  ادخلوها بسلام آمنين

 


بحث: مدخل منهجي لعلم المقاصد (الجزء الثاني)

كتبها ابو صهيب الشامخي ، في 20 يناير 2008 الساعة: 13:53 م

المقدمة الثالثة:
يعتبر الاستقراء الأصولي من أشهر وأدول (أي أكثر تداولاً) الآليات المنطقية الأصولية المستخدمة في تأسيس علم مقاصد الشريعة، لهذا السبب أعارها الإمام الشاطبي في مقّدماته المنهجية الأولى لكتاب «الموافقات» اهتماماً خاصاً وجعلها مدار العملية التقصيدية في الشرع الإسلامي. ويغلب على ظني أن الاستقراء الذي هو مبدأ تضافر الأدلة واجتماعها على معنى واحد، عبر التمعّن في الكثرة من النصوص التي تفيد ذلك المعنى، إنما هي تفيد القطع المضموني، أو قل تُفضي إلى تعميم المبادئ القاطعة، مثل مبدأ نوط الأحكام بدفع المفسدة وجلب المصلحة (وهو قاعدة فقهية أصولية ومقصد شرعي كلّي ومقصد عام للشريعة (أسمّيه مقصد المصلحية) في آن معاً.
ويقول الشاطبي في هذا المجال أن لهذه الأدلة الظنية المتضافرة على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع، من القوة في اجتماعها ما ليس في افتراقها([1])، وهو أمر شبيه بالتواتر المعنوي في مجال الآليات الضابطة للنصوص الحديثية الشريفة.
 
المقدمة الرابعة:
يعتبر المنطق الأصولي العام المستخدم في علم الأصول ومقاصد الشريعة من المنطق الإسلامي المأصول غير المنقول خلافاً لكثير من المنطق المستخدم لدى بعض الأصوليين -مثل الغزالي والجويني والآمدي وغيرهم كثير- من غير مبرّر سوى اعتيادهم عليه في علم الكلام وسجالاته بفعل الغزو الثقافي الهلّليني الطاغي آنذاك، وهو منطق هللّيني أرسطي منقول من خارج الحضارة والبيئة الإسلاميتين.
وإذا اعتبرنا المنطق -بوجه عام- هو الآليات الإدراكية الأساسية لأيّة عملية معرفية، فلسفية كانت أم علمية صحيحة، فإنّنا لا نتصوّر فلسفة ناجحة أو علماً ناجعاً، من دون اعتمادها على آليات منطقية محدّدة تعصم الذهن [أو العقل] من الزّلل، وهو ما دفع البعض إلى تعريف الفلسفة على أنها نسق تام من القضايا المنطقية([2]). وهو تعريف غير دقيق ناتج عن الدمج ما بين مضمون البحث الفلسفي أو المعرفي العام وبين الآليات المنطقية الضابطة له من التيهان والضلال في إطار منهجي منتخب وملائم([3]).
وعليه، استشرى هذه الخلط ما بين ما أريد له أن يكون منطقاً أصولياً لعلم أصول الفقه وما أدمج بهذا العلم على غير هدى وعلى غير علم بمنافرته للمنطق الأصولي منافرة فطرية. ووقع معظم مفكّري الإسلام في هذا الخلط، لا سيما الأصوليين منهم -حيث تباينت مواقفهم من المنطق تبايناً وصل لدرجة التناقض، ما بين معتبر لهذا المنطق "الأرسطي في أصله وفصله" فرضَ كفاية في وجوب تعلّمه على أمّة الإسلام، حتى قال الإمام الغزالي: «من لم يحط به فلا ثقة له بعلومه أصلاً»([4]). وقال في كتابه «القسطاس المستقيم» عن قوانين المنطق: «لا أدعي أني أزِن بها المعارف الدينية فقط، بل أزن بها العلوم الحسابية والهندسية والطبيعية والفقهية والكلامية.. وكل علم حقيقي غير وضعي، فإني أميّز حقّه عن باطله بهذه الموازين، وكيف لا؟ وهو القسطاس المستقيم!!». كما قال في كتاب «محك النظر»: «المطلوب من المعرفة لا يقتنص إلا بالحدّ والمطلوب من العلم الذي يتطرق إليه التصديق أو التكذيب لا يُقتنص إلا بالحجّة والبرهان وهو القياس، وكأن طالب القياس والحدّ، طالب الآلة التي بها تُقتنص العلومُ والمعارفُ كلّها»([5]). ولم يفت حجّة الإسلام الغزالي أن يصرّح بأن «أشرف العلوم ما أزدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع»([6]). ومنهم من قال بأن القول بوجوب المنطق اليوناني المنقول غير المأصول، "هو قول غُلاتهِ [أي المنطق] وجهّال أصحابه" وهو رأي ابن تيمية، وبهذا يكون قول الغزالي آنف الذكر «في غاية الفساد من وجوه كثيرة التعداد، مشتمل على أمور فاسدة ودعاوٍ باطلة كثيرة»([7]). ذلك أن الحذّاق من المناطقة أنفسهم -بحسب ما يرى شيخ الإسلام- «لا يلتزمون قوانينه في كل علومهم، بل يعرضون عنها، إمّا لطولها، وإما لعدم فائدتها، وإما لفسادها، وإما لعدم تميّزها وما فيها من الإجمال والاشتباه، فإن فيه [أي المنطق المستورد من الغرب الهلّليني القديم .. غير المأصول داخل بيئة العلم الإسلامي] مواضع كثيرة هي لحمَ جمل غثٍّ على رأس جبل وعْرٍ، لا سهلَ فيُرتقَى ولا سمين فينتقل»([8])، ونقل ابن تيميمة فتيا لبعض الأئمة فيها تشديد في تحريمه وعقوبة أهله([9]).
* * *
إن هذا السجال داخل الدائرة العلمية الإسلامية لا يطال مطلق المنطق أو حجّته في مجال العلوم الشرعية، بل يقتصر على المنقول المنطقي الهلليني (بمدرستيه المشّائية والرواقية)، الذي حاول الإمام الغزالي زرعه داخل الحقل المعرفي الإسلامي فروعاً وأصولاً، غبر ما سمّاه طه عبد الرحمن بآليات التقريب العقدي، وتشغيله بدل تعطيله([10])، وهذا الأمر طال التأصيل القرآني للاصطلاح المنطقي وللقياس المنطقي والتأصيل الفقهي، عبر استبدال المصطلحات الفقهية بالمصطلحات المنطقية، وإيراد الأمثلة الفقهية على مباحث المنطق، وردّ الموازين العقلية إلى الاستدلالات الفقهية([11]).
والذي نرومه ههنا التركيز على المنطق الأصولي المأصول داخل حقل العلم الإسلامي، غير المنفعل بمؤثرات المنطق الصوري اليوناني، بل تأسّس –لحسن الحظ- كاستجابة طبيعية لحاجيات العلوم الإسلامية المختلفة ونحص بالذكر منها هنا: الفقه وأصوله اللذين انبثق منهما علم المقاصد.
وتتبدّى الحاجة إلى إتقان المنطق الأصولي آنف الذكر (في المقدّمة الأولى) وسبر غوره من أجل فعالية وسلامة التأصيل المقاصدي -كما حرصنا من قبل على سلامة الاستدلال الفقهي-. وعليه، فمن لا يحيط علماً بهذا المنطق فلا ثقة له ولا للقوم في سلامة فقهه وتنظيره المقاصدي([12]) إن كان ممن يزعمون الدراية بعلم المقاصد -ولله درّهم- ما أكثرهم في هذه الأيام.
 
المقدمة الخامسة:
علم أصول الفقه من العلوم الإسلامية الخالصة المأصولة غير المنقولة؛ وذلك على الرغم من تشويش الآمدي والجويني والغزالي والياقلاني وإمام الحرمين وإدخالهم للدخيل إلى الأصيل.. وهو تشويش أربك الفقه وأصوله وأضعف حركة الاجتهاد لقرون عديدة([13]). وهو مزيج ما بين أبواب نظرية ومنهجية وأخرى عملية ومضمونية تطبيقية، فمن علوم الوسائل المتداخلة مع أصول الفقه المتكاملة معه: النحو والصرف والمنطق، ومن علوم المقاصد: الفقه.
ومن أمثلة الأبواب النظرية والمنهجية التي تدخل في هذا العلم -كما تدخل في علم المقاصد الذي هو شقيق الأصول- «علم المناهج» (الميتادولوجيا) الذي ينظر في الأدلة الشرعية تعريفاً وترتيباً كما يدرس قواعد الاستنباط وقوانين الأحكام، وباب الاستدلال الحجاجي الذي يتضمن قوانين الجدل والمناظرة، وباب «فقه العلم» (الأبستيمولوجيا) الذي يبحث في فلسفة التشريع ومقاصد الشريعة، وباب اللغويات، الذي يختص بدراسة أصناف دلالات الألفاظ([14]).
وهذا التقسيم إلى وسائل ومقاصد -الذي أكّد عليه الشاطبي في «موافقاته» لا يظنّ طانٌ أنه يتناقض مع تقسيم العلامة أبي الوليد ابن رشد الحفيد في «مختصره على المستصفى»([15]) لجملة المعارف والعلوم إلى أنواع ثلاثة:
1 ـ معرفة غايتها الاعتقاد الحاصل عنها في النفس فقط (كالعلم بحدوث العالم)…
2 ـ معرفة غايتها العمل، ومنها «كلية» بعيدة في كونها مفيدة للعمل، كالعلم بالأصول التي تبني عليها الفروع الفقهية من الكتاب والسنة والإجماع، والعلم بالأحكام الحاصلة عن هذه الأصول على الإطلاق وأقسامها، وما يلحقها من حيث هي أحكام، ومنها «جزئية» كالعلم بأحكام الصلاة والزكاة ونحوها من جزئيات الفرائض والسنن.
3 ـ معرفة تعطي القوانين والأحوالالتي بها يتسدّد الذهن نحو الصواب في هاتين المعرفتين (أي معرفة الاعتقاد ومعرفة العمل).
وعليه، لا يتردّد أبو الوليد (الحفيد) في إدخال علم الأصول في التقسيم الثالث باعتباره الآلة المنطقية التي يضبط بها الفقيه صناعته الفقهية وفتاويه، فليس هو بالعلم العملي ولا بالنظري خلافاً لما كان سائداً عند الفقهاء. ذلك أنه كلما كانت العلوم [مثل أصول الفقه] أكثر تشعباً، والناظرون فيها مضطرون في الوقوف عليها إلى أمور لم يضطر إليها من تقدّمهم، كانت الحاجة فيها إلى قوانين تحوط أذهانهم عند النظر فيها أكثر»([16]).
وأرى أنه لو تجرّد علم الأصول من باب فقه العلم (فلسفة التشريع) أي لُبابُ علم المقاصد وشذراته التأسيسية، في اتجاه مأسَسة مستقلة، وكذلك من الموثرات المنطقية الهللينية، ومن سجالات علم الكلام وخلافيات المتسلمين (الاستدلال الحجاجي)، وتالياً، يُصار إلى «ترك كل شيء إلى موضعه»([17]). لوصلنا إلى مبتغى ابن رشد بالكمال والتمام، أي علم أصول الفقه الآلي والمقنِّن (بكسر النون الأولى المشدّدة)، الذي يهبُ الفقيه الآليات التسديدية اللازمة.
* * *
أقول من زاوية فقه علم أصول الفقه بأن استقلال علم المقاصد عن علم الأصول مبرّر بما قلتُه أعلاه، كما نرى تأكيد ذلك عند ابن عاشور في كتابه «المقاصد العامة الشريعة([18])»، الذي اشترطه للاجتهاد في مرحلتي التعليل والتنزيل وفاقاً للإمام الشاطبي.
وأسوق –بالمناسبة- تقسيماً خُماسياً لفقه النصوص الشرعية، أو بالأحرى إمكانية مقاربتها من زوايا خمس كلها اجتهادية:
1 ـ فقه الاستنباط المباشر من النصوص (فقه الفهم).
2 ـ فقه التدليل الأصولي من النصوص غير انتقاء الأدلة الشرعية المناسبة للحكم الشرعي (فقه التدليل).
3 ـ فقه التعليل الأصولي، حيث يتم استخراج علل الأحكام التي يمكن نقلها إلى غيرها بالقياس أو الاستصلاح (فقه التعليل).
4 ـ فقه التقصيد حيث يتم استخراج مقاصد جزئية أو كلية أو عامة أو خاصة من النصوص الشرعية.
5 ـ فقه التنزيل: حيث يتم الاجتهاد في تطبيق الأحكام الشرعية، وفق مقتضيات التنزيل الحالية والزمانية، والمكانية ونحوها، أي النظر في تطبيق الحكم الشرعي بعدما ثبت لنا بمدركه الشرعي([19]).
إن التفقّه في مقاصد الشريعة ضروري لكل مرحلة من المراحل الخمس آنفة الذكر، على عكس المعرفة بعلم الأصول الذي لا يلزم إلا في ثلاث مراحل (فقه الفهم وفقه التعليل وفقه التدليل…)، وذلك وفاقاً لأبي إسحاق الشاطبي الذي حصر «درجة الاجتهاد فيمن اتّصف بوصفين، أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكّن من الاستنباط بناءً على فهمه ف

المزيد

أضف الى مفضلتك
  • del.icio.us
  • Digg
  • Facebook
  • Google
  • LinkedIn
  • Live
  • MySpace
  • StumbleUpon
  • Technorati
  • TwitThis
  • YahooMyWeb

التالي



 

 

نسخة من القرآن الكريم مخطوط بخط اندلسي

 الجمالون المسلمون اسهموا مساهمة فعالة في نهضة استراليا الحديثة

  

  الام الكنغارو تحمل صغيرها في جيبها الى حين يشتد عوده ويالف المرعى

  بينما زوجها السيد الكنغارو يقوم بقيلولة جميلة ولا يهتم بما يدور حوله من تنشئة الاطفال

 

انتبه!!  كنغارو يمر من هنا

 

زواري الاعزاء! اخوتي واخواتي الاحباء! الرجاء التفاعل مع ما اكتب لان ذلك

يحفزني اكثر على المزيد من العطاء والكتابة! ولاباس بالنقد فاني اؤمن بان النقد هو اقصر السبل للابداع الحق. ودمتم في حفظ الله دوما..  اخوكم طارق

Tarek Chamkhi © 2008