المقدمة الثالثة:
يعتبر الاستقراء الأصولي من أشهر وأدول (أي أكثر تداولاً) الآليات المنطقية الأصولية المستخدمة في تأسيس علم مقاصد الشريعة، لهذا السبب أعارها الإمام الشاطبي في مقّدماته المنهجية الأولى لكتاب «الموافقات» اهتماماً خاصاً وجعلها مدار العملية التقصيدية في الشرع الإسلامي. ويغلب على ظني أن الاستقراء الذي هو مبدأ تضافر الأدلة واجتماعها على معنى واحد، عبر التمعّن في الكثرة من النصوص التي تفيد ذلك المعنى، إنما هي تفيد القطع المضموني، أو قل تُفضي إلى تعميم المبادئ القاطعة، مثل مبدأ نوط الأحكام بدفع المفسدة وجلب المصلحة (وهو قاعدة فقهية أصولية ومقصد شرعي كلّي ومقصد عام للشريعة (أسمّيه مقصد المصلحية) في آن معاً.
ويقول الشاطبي في هذا المجال أن لهذه الأدلة الظنية المتضافرة على معنى واحد حتى أفادت فيه القطع، من القوة في اجتماعها ما ليس في افتراقها([1])، وهو أمر شبيه بالتواتر المعنوي في مجال الآليات الضابطة للنصوص الحديثية الشريفة.
المقدمة الرابعة:
يعتبر المنطق الأصولي العام المستخدم في علم الأصول ومقاصد الشريعة من المنطق الإسلامي المأصول غير المنقول خلافاً لكثير من المنطق المستخدم لدى بعض الأصوليين -مثل الغزالي والجويني والآمدي وغيرهم كثير- من غير مبرّر سوى اعتيادهم عليه في علم الكلام وسجالاته بفعل الغزو الثقافي الهلّليني الطاغي آنذاك، وهو منطق هللّيني أرسطي منقول من خارج الحضارة والبيئة الإسلاميتين.
وإذا اعتبرنا المنطق -بوجه عام- هو الآليات الإدراكية الأساسية لأيّة عملية معرفية، فلسفية كانت أم علمية صحيحة، فإنّنا لا نتصوّر فلسفة ناجحة أو علماً ناجعاً، من دون اعتمادها على آليات منطقية محدّدة تعصم الذهن [أو العقل] من الزّلل، وهو ما دفع البعض إلى تعريف الفلسفة على أنها نسق تام من القضايا المنطقية([2]). وهو تعريف غير دقيق ناتج عن الدمج ما بين مضمون البحث الفلسفي أو المعرفي العام وبين الآليات المنطقية الضابطة له من التيهان والضلال في إطار منهجي منتخب وملائم([3]).
وعليه، استشرى هذه الخلط ما بين ما أريد له أن يكون منطقاً أصولياً لعلم أصول الفقه وما أدمج بهذا العلم على غير هدى وعلى غير علم بمنافرته للمنطق الأصولي منافرة فطرية. ووقع معظم مفكّري الإسلام في هذا الخلط، لا سيما الأصوليين منهم -حيث تباينت مواقفهم من المنطق تبايناً وصل لدرجة التناقض، ما بين معتبر لهذا المنطق "الأرسطي في أصله وفصله" فرضَ كفاية في وجوب تعلّمه على أمّة الإسلام، حتى قال الإمام الغزالي: «من لم يحط به فلا ثقة له بعلومه أصلاً»([4]). وقال في كتابه «القسطاس المستقيم» عن قوانين المنطق: «لا أدعي أني أزِن بها المعارف الدينية فقط، بل أزن بها العلوم الحسابية والهندسية والطبيعية والفقهية والكلامية.. وكل علم حقيقي غير وضعي، فإني أميّز حقّه عن باطله بهذه الموازين، وكيف لا؟ وهو القسطاس المستقيم!!». كما قال في كتاب «محك النظر»: «المطلوب من المعرفة لا يقتنص إلا بالحدّ والمطلوب من العلم الذي يتطرق إليه التصديق أو التكذيب لا يُقتنص إلا بالحجّة والبرهان وهو القياس، وكأن طالب القياس والحدّ، طالب الآلة التي بها تُقتنص العلومُ والمعارفُ كلّها»([5]). ولم يفت حجّة الإسلام الغزالي أن يصرّح بأن «أشرف العلوم ما أزدوج فيه العقل والسمع، واصطحب فيه الرأي والشرع»([6]). ومنهم من قال بأن القول بوجوب المنطق اليوناني المنقول غير المأصول، "هو قول غُلاتهِ [أي المنطق] وجهّال أصحابه" وهو رأي ابن تيمية، وبهذا يكون قول الغزالي آنف الذكر «في غاية الفساد من وجوه كثيرة التعداد، مشتمل على أمور فاسدة ودعاوٍ باطلة كثيرة»([7]). ذلك أن الحذّاق من المناطقة أنفسهم -بحسب ما يرى شيخ الإسلام- «لا يلتزمون قوانينه في كل علومهم، بل يعرضون عنها، إمّا لطولها، وإما لعدم فائدتها، وإما لفسادها، وإما لعدم تميّزها وما فيها من الإجمال والاشتباه، فإن فيه [أي المنطق المستورد من الغرب الهلّليني القديم .. غير المأصول داخل بيئة العلم الإسلامي] مواضع كثيرة هي لحمَ جمل غثٍّ على رأس جبل وعْرٍ، لا سهلَ فيُرتقَى ولا سمين فينتقل»([8])، ونقل ابن تيميمة فتيا لبعض الأئمة فيها تشديد في تحريمه وعقوبة أهله([9]).
* * *
إن هذا السجال داخل الدائرة العلمية الإسلامية لا يطال مطلق المنطق أو حجّته في مجال العلوم الشرعية، بل يقتصر على المنقول المنطقي الهلليني (بمدرستيه المشّائية والرواقية)، الذي حاول الإمام الغزالي زرعه داخل الحقل المعرفي الإسلامي فروعاً وأصولاً، غبر ما سمّاه طه عبد الرحمن بآليات التقريب العقدي، وتشغيله بدل تعطيله([10])، وهذا الأمر طال التأصيل القرآني للاصطلاح المنطقي وللقياس المنطقي والتأصيل الفقهي، عبر استبدال المصطلحات الفقهية بالمصطلحات المنطقية، وإيراد الأمثلة الفقهية على مباحث المنطق، وردّ الموازين العقلية إلى الاستدلالات الفقهية([11]).
والذي نرومه ههنا التركيز على المنطق الأصولي المأصول داخل حقل العلم الإسلامي، غير المنفعل بمؤثرات المنطق الصوري اليوناني، بل تأسّس –لحسن الحظ- كاستجابة طبيعية لحاجيات العلوم الإسلامية المختلفة ونحص بالذكر منها هنا: الفقه وأصوله اللذين انبثق منهما علم المقاصد.
وتتبدّى الحاجة إلى إتقان المنطق الأصولي آنف الذكر (في المقدّمة الأولى) وسبر غوره من أجل فعالية وسلامة التأصيل المقاصدي -كما حرصنا من قبل على سلامة الاستدلال الفقهي-. وعليه، فمن لا يحيط علماً بهذا المنطق فلا ثقة له ولا للقوم في سلامة فقهه وتنظيره المقاصدي([12]) إن كان ممن يزعمون الدراية بعلم المقاصد -ولله درّهم- ما أكثرهم في هذه الأيام.
المقدمة الخامسة:
علم أصول الفقه من العلوم الإسلامية الخالصة المأصولة غير المنقولة؛ وذلك على الرغم من تشويش الآمدي والجويني والغزالي والياقلاني وإمام الحرمين وإدخالهم للدخيل إلى الأصيل.. وهو تشويش أربك الفقه وأصوله وأضعف حركة الاجتهاد لقرون عديدة([13]). وهو مزيج ما بين أبواب نظرية ومنهجية وأخرى عملية ومضمونية تطبيقية، فمن علوم الوسائل المتداخلة مع أصول الفقه المتكاملة معه: النحو والصرف والمنطق، ومن علوم المقاصد: الفقه.
ومن أمثلة الأبواب النظرية والمنهجية التي تدخل في هذا العلم -كما تدخل في علم المقاصد الذي هو شقيق الأصول- «علم المناهج» (الميتادولوجيا) الذي ينظر في الأدلة الشرعية تعريفاً وترتيباً كما يدرس قواعد الاستنباط وقوانين الأحكام، وباب الاستدلال الحجاجي الذي يتضمن قوانين الجدل والمناظرة، وباب «فقه العلم» (الأبستيمولوجيا) الذي يبحث في فلسفة التشريع ومقاصد الشريعة، وباب اللغويات، الذي يختص بدراسة أصناف دلالات الألفاظ([14]).
وهذا التقسيم إلى وسائل ومقاصد -الذي أكّد عليه الشاطبي في «موافقاته» لا يظنّ طانٌ أنه يتناقض مع تقسيم العلامة أبي الوليد ابن رشد الحفيد في «مختصره على المستصفى»([15]) لجملة المعارف والعلوم إلى أنواع ثلاثة:
1 ـ معرفة غايتها الاعتقاد الحاصل عنها في النفس فقط (كالعلم بحدوث العالم)...
2 ـ معرفة غايتها العمل، ومنها «كلية» بعيدة في كونها مفيدة للعمل، كالعلم بالأصول التي تبني عليها الفروع الفقهية من الكتاب والسنة والإجماع، والعلم بالأحكام الحاصلة عن هذه الأصول على الإطلاق وأقسامها، وما يلحقها من حيث هي أحكام، ومنها «جزئية» كالعلم بأحكام الصلاة والزكاة ونحوها من جزئيات الفرائض والسنن.
3 ـ معرفة تعطي القوانين والأحوالالتي بها يتسدّد الذهن نحو الصواب في هاتين المعرفتين (أي معرفة الاعتقاد ومعرفة العمل).
وعليه، لا يتردّد أبو الوليد (الحفيد) في إدخال علم الأصول في التقسيم الثالث باعتباره الآلة المنطقية التي يضبط بها الفقيه صناعته الفقهية وفتاويه، فليس هو بالعلم العملي ولا بالنظري خلافاً لما كان سائداً عند الفقهاء. ذلك أنه كلما كانت العلوم [مثل أصول الفقه] أكثر تشعباً، والناظرون فيها مضطرون في الوقوف عليها إلى أمور لم يضطر إليها من تقدّمهم، كانت الحاجة فيها إلى قوانين تحوط أذهانهم عند النظر فيها أكثر»([16]).
وأرى أنه لو تجرّد علم الأصول من باب فقه العلم (فلسفة التشريع) أي لُبابُ علم المقاصد وشذراته التأسيسية، في اتجاه مأسَسة مستقلة، وكذلك من الموثرات المنطقية الهللينية، ومن سجالات علم الكلام وخلافيات المتسلمين (الاستدلال الحجاجي)، وتالياً، يُصار إلى «ترك كل شيء إلى موضعه»([17]). لوصلنا إلى مبتغى ابن رشد بالكمال والتمام، أي علم أصول الفقه الآلي والمقنِّن (بكسر النون الأولى المشدّدة)، الذي يهبُ الفقيه الآليات التسديدية اللازمة.
* * *
أقول من زاوية فقه علم أصول الفقه بأن استقلال علم المقاصد عن علم الأصول مبرّر بما قلتُه أعلاه، كما نرى تأكيد ذلك عند ابن عاشور في كتابه «المقاصد العامة الشريعة([18])»، الذي اشترطه للاجتهاد في مرحلتي التعليل والتنزيل وفاقاً للإمام الشاطبي.
وأسوق –بالمناسبة- تقسيماً خُماسياً لفقه النصوص الشرعية، أو بالأحرى إمكانية مقاربتها من زوايا خمس كلها اجتهادية:
1 ـ فقه الاستنباط المباشر من النصوص (فقه الفهم).
2 ـ فقه التدليل الأصولي من النصوص غير انتقاء الأدلة الشرعية المناسبة للحكم الشرعي (فقه التدليل).
3 ـ فقه التعليل الأصولي، حيث يتم استخراج علل الأحكام التي يمكن نقلها إلى غيرها بالقياس أو الاستصلاح (فقه التعليل).
4 ـ فقه التقصيد حيث يتم استخراج مقاصد جزئية أو كلية أو عامة أو خاصة من النصوص الشرعية.
5 ـ فقه التنزيل: حيث يتم الاجتهاد في تطبيق الأحكام الشرعية، وفق مقتضيات التنزيل الحالية والزمانية، والمكانية ونحوها، أي النظر في تطبيق الحكم الشرعي بعدما ثبت لنا بمدركه الشرعي([19]).
إن التفقّه في مقاصد الشريعة ضروري لكل مرحلة من المراحل الخمس آنفة الذكر، على عكس المعرفة بعلم الأصول الذي لا يلزم إلا في ثلاث مراحل (فقه الفهم وفقه التعليل وفقه التدليل...)، وذلك وفاقاً لأبي إسحاق الشاطبي الذي حصر «درجة الاجتهاد فيمن اتّصف بوصفين، أحدهما: فهم مقاصد الشريعة على كمالها، والثاني التمكّن من الاستنباط بناءً على فهمه فيها»([20]).
* * *
وأختارُ تعريفاً لعلم المقاصد على أساس أنه: فقه مآلات الأحكام ومعانيها الكلية والجزئية الهادفة لجلب المصالح ودفع المفاسد في المعاش والمعاد» أو قل هي «الأهداف العامة الملحوظة على الشارع في أحكامه الجزئية والكلية في اتجاه دفع المفسدة وجلب المصلحة في الدارين».
وهذا التعريف الثاني قريب من تعريف الأستاذ علال الفاسي في كتابه «مقاصد الشريعة ومكارمها»([21]): مقاصد الشريعة هي المعاني والأهداف الملحوظة للشرع في جميع أحكامه أو معظمها، أو هي الغاية من الشريعة والأسرار التي وضعها الشارع عند كل حكم من أحكامها».
أما ابن عاشور فقد عرّفها بقوله: «المعاني والحكم الملحوظة للشارع في جميع أحوال التشريع أو معظمها، بحيث لا يختص ملاحظتها بالكون في نوع خاص من أحكام الشريعة، فيدخل في هذا أوصاف الشريعة وغايتها العامة والمعاني التي لا يخلو التشريع عن ملاحظتها، ويدخل في هذا أيضاً معان من الحِكَم ليست ملحوظة في سائر أنواع الأحكام، ولكنها ملحوظة في أنواع كثيرة منها»([22]).
والحق أن هذا التعريف، علاوة على كون طوله النسبي غير ملائم في العادة للتعريفات؛ هو خاص بالمقاصد العامة للشريعة دون سائر أنواع المقاصد مثل الخاصة أو الجزئية ومقاصد باب من الأبواب أو مقاصد المكلفين ونحو ذلك، وكأن ابن عاشور يرى أن جوهر علم القاصد ولبابه هو «المقاصد العامة» التي نحن بصدد بحثها.
ويعرفها الدكتور يوسف العالم بقوله: هي المصالح التي تعود إلى العباد في دنياهم وأخراهم، سواء أكان تحصيلها عن طريق جلب المنافع، أو عن طريق دفع المضار»([23]).
* * *
وأختم باختياري لتعريف المقاصد العامة للشريعة على أساس أنها: «فقه مآلات الأحكام ومعانيها الكليّة المُستهدَفَة بالتحصيل لما ينفع الأمة المسلمة ويرشّد كسبَها في المعاش والمعاد». والله أعلم وأحكم.
* * *
([1]) الشاطبي، الموافقات (بيروت: دار الكتب العلمية، 1991). ج 4، ص 24، وانظر، طه عبد الرحمن، تجديد المنهج في تقويم التراث (بيروت: المركز الثقافي العربي، 1994) ص 119.
([2]) فضل الله، هادي، مقدمات في علم المنطق (بيروت: دار الهادي، 1996) ص 9. والمدرسي، محمد تقي الدين، المنطق الإسلامي، أصوله ومناهجه ([ب م]، [ب ن]، 1981)، ص 33.
([3]) هذا الدمج والاختلاف ناشئ بالأساس منذ عهد أرسطو الذي يعتبر المنطق ليس جزءاً من أجزاء الفلسفة، وإنما هو علم إضافي ضروري لكل أجزاء الفلسفة، و الرواقيين الذين اعتبروا المنطق جزءاً أساسياً من أجزاء الفلسفة.
([4]) الغزالي، المستصفى (بيروت: دار احياء التراث العربي، ب ت) ص 10.
([5])الغزالي، محك النظر (بيروت: دار الفكر اللبناني، 1994) ص 68.
([6]) الغزالي، المستصفى، م س، ص 3.
([7])ابن تيمية، تقي الدين الحراني، نقض المنطق (بيروت: دار الكتب العلمية، [ب ت]) ص 100.
([8]) ابن تيمية، م ن، ص ن.
([9]) انظر لمزيد التوسع: ابن تيمية، الردّ على المنطقيين (بيروت: دار الكتاب اللبناني، 1993)، وله موافقه صحيح المنقول لصريح المعقول (بيروت: دار الكتب العلمية، [ب ت])، وجلال الدين السيوطي، صون المنطق والكلام عن فن المنطق والكلام ومعه مختصر السيوطي لكتاب: نصيحة أهل الإيمان في الردّ على منطق اليونان (مكة المكرمة: [ب ن]، [ب ت])، (علق عليه الدكتور علي سامي النشار)، ومحمد بن مرتضى بن الوزير، ترجيح أساليب القرآن على أساليب اليونان (بيروت: دار الكتب العلمية، [ب ت]).
وعلي سامي النشار: مناهج البحث عند مفكري الإسلام، واكتشاف المنهج العلمي في العالم الإسلامي (بيروت: دار النهضة العربية، 1984)، الذي فسّر وفصّل في أسباب اتجاه العلماء خلال القرون الخمسة الأولى لنقد المنطق الارسططاليسي، وتالياً، رفضه من معظمهم، ولا سيّما في مجال علم الأصول، وذلك ممّا مثّل اتجاهاً غالباً ساد الدراسات الإسلامية إلى نهاية القرن الخامس الهجري، أي إلى نهاية العصر الذهبي للعقل الإسلامي الخالص (ر: ص 353) وهي الفترة التي أنتجت فيها أغلب آليات البحث الخالصة مثل «القياس الإسلامي»، والاستقراء، وذلك غير تقنيات أو آليات منطقية أصغر منها تدور حول العلة وشروطها ومسالكها [من سبر وتقسيم وطرد ودوران وتنقيح مناط وتحقيق مناط، وتخريج مناط] ثم بعض الآليات الأخرى مثل قياس الغائب على الشاهد والاستدلال بالمتّفق عليه على المختلف فيه. وتشابه هذه الآليات مع القياس أو الاستقراء الأرسطي هو تشابه عرضي ليس أكثر، ويختلف اختلافاً بيناً في مضمونه وأصول نشأته الإسلامية الخالصة..
([10]) طه عبد الرحمن، تجديد المنهج، م.س، ص 339 ـ 350.
([11]) بينما يرجع سبب ردّ ابن تيمية على المنطقيين كونه انتهج آليات التقريب المعرفي في تهوين المنطق بدل تشغيله، وذلك تمّ عبر استبدال المنقول المنطقي بآخر مأصول، يدل تأصيل المنقول كما فعل الغزالي أو ابن حزم، وسعى نحو توسيع الاستدلال المنطقي الذي أوجبته قاعدة «الاتّساع»، ونحو التأسيس العملي للمنطق الذي اقتضته قاعدة «الانتفاع»، ونحو التأسيس الشرعي للمنطق الذي أوجبته قاعدة «الاتّباع»، وهو المبحث الذي أجاد الدكتور طه عبد الرحمن - متكلّم العصر وفيلسوفه - في الخوض فيه وتفكيك مشكلاته ومعضلاته، (راجع لمزيد التوسع: عبد الرحمن، تجديد المنهج، م.س، ص 311 «في الفصل الثالث: آليات تقريب المنطق اليوناني») و[راجع عبد الرحمن، تجديد المنهج،م س، ص 350 ـ 380. وانظر ابن تيمية، نقض المنطق، م.س، ص 155 وما بعدها، والرد على المنطقيين، م.س، ج 1، وج 2].
([12]) بيد أني أرى أن المنطق الأصولي يندمج في صلب علم المقاصد ومسائلة المتشاكلة، بل الأصوب اعتباره مجرّد آليات منطقية هي بمثابة الوسيلة والمعين لعلم المقاصد، كما أعانت وساندت علم الأصول من قبل، وحركة الاجتهاد بوجه عام. ونذكّر هنا بكلام الشاطبي في هذا السياق بأن: «كل مسألة مرسومة في أصول الفقه لا تنبني عليها فروع فقهية أو آداب شرعية، أو لا تكون عوناً في ذلك، فوضعها في أصول الفقه عارية [...] وليس كل ما يفتقر إليه الفقه يعدّ من أصوله، وإنما اللازم أن كل أصل يضاف إلى الفقه لا ينبني عليه فقه فليس بأصل له»، (ر: الموافقات، م س،ج1، ص 29.
([13]) أرى أن ما اجترحه الغزالي ومدرسته بالفقه الإسلامي في القرن الخامس وما بعده شكّل أخطر تخريب وغزو ثقافي مدمّر تعرض له الفكر الإسلامي عبر التاريخ لأنه جاء من أرباب العلم أنفسهم ومن كبار أئمتهم الذين أرادوا «إحياء علوم الدين».
وأقول وفاقاً للترابي بأن الغزو الفكري الغربي آنذاك كان أخطر من الغزو الثقافي والفكري الغربي المعاصر، لاسيّما إذا راعينا مآلات العزو ونتائجه وفصلناها عن الكيد السياسي الذي تعرضنا له في العقود القليلة الماضية، الذي اخترق كل ممانعة فكرية لدينا بوجه العلمانية وتيارات التغريب والليبرالية والشيوعية والدهرية... ونحوها..
([14]) عبد الرحمن، تجديد المنهج، م س، ص 93.
([15]) كان الأصوليون القدامى يحشرون علم الأصول ضمن العلوم التي غايتها العمل وبخاصة ضمن الكلي منها.
([16]) ابن رشد، الضروري في أصول الفقه (أو مختصر المستصفى)، (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994)، ص 34، 35 .
([17]) قالها ابن رشد في «مختصره»، كردّه فعل منهجية صارمة على لزومية أبي حامد الغزالي المنطقية [من لا يحيط بها فلا ثقة في علومه أصلاً..]. واستطرد ابن رشد قائلاً: «فإن من رام أن يتعلم أشياء أكثر من واحد في وقت واحد لم يمكنه أن يتعلم ولا واحداً منها». ذلك أن الغزالي خصّص مقدّمة منطقية أرسطية (مهذّبة إسلامياً...) طويلة نسبياً لكتاب المستصفى واشترطها لولوج مستصفاه الأصولي الأكثر نضجاً بعد كتبه الأصولية الأخرى: «شفاء الغليل» و«المتخول» و«أساس القياس». ر: الغزالي، المستصفى، م س، ص 10، والضروري، م س، ص 37، 38.
أقول: ذلك على الرغم من أن الفيلسوق ابن رشد هو أحد الفلاسفة والمنطقيين الأرسطيين الكبار وأحد أهم شراح أرسطو في العصور الوسيطة، ثم إنه الذي ردّ رداً فلسفياً صارماً على الغزالي الذي تنزّه من الفلاسفة في كتاب «تهافت الفلاسفة»، بكتاب «تهافت التهافت». فتأمّل تلك المفارقة، ويا لها من مفارقة تاريخ العلم الإسلامي.
([18]) ابن عاشور محمد الطاهر، المقاصد العامة للشريعة الإسلامة (تونس: الدار التونسية النشر والتوزيع،1978)
([19]) ويُقارب الفقيه في مرحلة فقه الاستنباط النصوص المُوحى بها في مراتبها المعلومة قرآنية كانت أم قرآنية، وضمنها المراتب الأقل ظهوراً مثل عمل الصحابي، وعمل أهل المدينة، وإجماع الصحابة (باعتباره مورداً من موارد النصّ على الأرجح..)، .. وتُضبط هذه المقاربات داخل علم الأصول عبر أبواب دلالات الألفاظ ومبحثَيْ القرآن والسنة. بينما في فقه التدليل (أو الاستدلال) الذي هو مُطلق الاجتهاد -كما عند الشافعي في «رسالته»- ، فتتم مقاربة النوازل المتطلبة لأحكام شرعية «على غرار المنصوص عليها، وعند فقه النصّ المباشر والصحيح والواضح الدلالة، وذلك على نصوص شرعية أخرى لعلة جامعة، أو في اتجاه إيجاد خلفيات شرعية كليّة مستقراة من آلاف الأدلة المنضاف بعضها إلى بعض في اتجاه مقاصدي ما. وهو ما يعرف باسم المبادئ أو القواعد الفقهية مثل قاعدة «لا ضرر ولا ضرار» أو «نوط الأحكام بالمقاصد والمعاني لا بالأَشكال والمباني»، أو «دين الله يسر» أو «نوط الأحكام بجلب المصلحة ودفع المفسدة» أو «دفع المفسدة مقدم على جلب المصلحة»، وعلى أساس هذه القاعدة تم تأسيس آليات أصولية شهيرة مثل آلية الاستصلاح [أو المصالح المرسلة]، وآلية سدّ الذرائع، وآلية الاستحسان ولاسيّما استحسان الضرورة أو المصلحة.
وغالب الاجتهاد في الاستدلال على الأحكام مبني على آليات القياس والاستصلاح والاستحسان وسدّ الذرائع، وكلّها آليات ظنيّة في دلالاتها من حيث هي آليات استدلالية، اُختلف فيها من لدّن فقهاء الأمصار، فنازع دود الظاهري وصاحبه ابن حزم أبو محمّد القرطبي في القياس، كما نازع محمّد بن إدريس الشافعي في الاستحسان وتابعه أصحابه في منازعة المالكية في الاستصلاح، وهكذا ولا مندومة ههنا من ذكر أن أعظم شرر الخلاف في هذه الآليات إنما هو لفظي اصطلاحي محض، بينما يكاد يتفق أرباب المذاهب على العمل بمضامينها، عند النظر والتحقيق على حدّ تعبير الشهاب القرافي.
أما فقه التنزيل أي تحقيق مناطات الأشياء والأنواع والنظر في المآلات ونحوها فهو مضمون القسم الثاني من هذا الكتاب وهو الجانب التطبيقي من الشريعة الإسلامية والذي هو اجتهاد عام شامل للخاصة (أي العلماء) والعامة، ويحتاجه حتى العامي في خاصة نفسه مثل تحديد جهة القبلة، وهو من نوع الاجتهاد الذي لا يمكن أن ينقطع إلا بانطاع أصل التكليف عند انتهاء الدنيا، ولا خلاف بين الأمة في قبوله. وتعريفه هو النظر في تطبيق الحكم الشرعي، بعدما ثبت لنا بمدركه.
([20]) الشاطبي، الموافقات، م س، ج 4، ص 76.
([21]) الفاسي، علال، مقاصد الشريعة ومكارمها (بيروت: دار الغرب الإسلامي، 1994) ص 5 وما بعدها. وانظر بلقاسم الغالي، شيخ الجامع الأعظم: محمد الطاهر بن عاشور حياته وآثاره (بيروت: دار ابن حزم، 1996) ص 120.
([22]) ابن عاشور، مقاصد الشريعة الإسلامية (عمان: دار النفائس، ط 2، 2001)، تحقيق محمد الطاهر الميساوي) ص 251، وسنرمز لهذه الطبعة بـ [ت م] لاحقاً.
وانظر نفس التعريف في: الدكتور قطب مصطفى سانو، معجم مصطلحات أصول الفقه (دمشق، دار الفكر، 2000)، ص 433، حيث اختار المؤلف تعريف ابن عاشور بحرفيته، كما أنه اختار معظم التعريفات الأخرى (مقاصد، المقاصد الأصلية ـ المقاصد التبعية ـ المقاصد الجزئية ـ المقاصد الخاصة ـ المقاصد الظنية ـ المقاصد الظنية القريبة من القطع ـ المقاصد القطعية ـ المقاصد الكلية...)، من كتاب ابن عاشور حول المقاصد.
([23]) يوسف العالم، المقاصد العامة للشريعة (فرجينيا: المعهد العالمي للفكر الإسلامي، 1991) ص 79.
* كاتب تونسي مقيم بالمهجر.